السيد محمد باقر الداماد ( الميرداماد )

166

تقويم الايمان وشرحه كشف الحقائق للعلوي ( تعليقات النوري )

جنبا إلى جنب الاستدلالات المنطقية . في حين أنّ آثار ابن سينا الفلسفية لم تكن خلوا من اللطائف الإشراقية ورقائقها فحسب بل كانت تكتظّ بالمباحث العقلية والمسائل العقلانية البحتة والجافّة . فقد كان جلّ سعيه إرجاع جميع المباحث إلى القضايا الضرورية استنادا على الاستدلال والبرهان ، ممّا حدا به إلى الابتعاد عن الأساليب الإشراقية ومناهجها . وهذا لا يعني أنّنا عدمناه تلك الأساليب ، إذ نراه أحيانا يتطرّق في بعض آثاره مثل الإشارات والتنبيهات إلى بعض المباحث العرفانية والمسائل الذوقية مثل « مقامات العارفين » . كما نلحظ فيما بقي لدينا من آثاره رسائل وكتبا مستقلّة تعبّر عن نزعاته الإشراقية ، ومنها : منطق المشرقين ؛ ورسالة في العشق ؛ وقصصه الرمزية الثلاثة : حيّ بن يقظان ؛ ورسالة الطير ؛ وسلامان وأبسال ، ممّا يحدو بنا إلى احتمال أنّه لو كان قد طال به العمر وامتدّ لأفاد بالتحقيق أكثر فأكثر من المبادي والنزعات الإشراقية . وهو ما قام به من تلوه من الفلاسفة والحكماء أمثال السهروردي وميرداماد والملّا صدرا بجدارة وأحسن صورة . ورغم قلّة اكتراث ابن سينا بالنزعات الإشراقية إلّا أنّه قد تأثّر بالغ الأثر ببعض عناصر ومناهج الفلسفة الأفلاطونية . فقد انتخب من مجموعة الطرائق والعناصر التي اتّخذها أفلاطون أساسا لأفكاره وآرائه ، طريقتي التحليل « 1 » والتقسيم « 2 » اللتين تتناسبان ونزعته العقلانية ، ثمّ مزجهما بالمنطق الصوري والتعاليم الدينية ، وضمّ إلى الجميع مباحث الأمور العامّة التي اهتمّ بها اهتماما بالغا وخاصّة المباحث المتعلّقة بالوجود ، وبهذا كلّه أرسى ابن سينا قواعد مدرسة فلسفية جديدة . ج . المبادى والتعاليم الدينية : وقد امتازت بها مدرسة ابن سينا الفلسفية ، إذ رغم أنّه يعدّ واحدا من الفلاسفة الذين ينزعون إلى العقل لكنّه يختلف عن الفلاسفة القدماء من ذوي النزعة العقلانية في أنّه أضفى على مدرسته الفلسفية صبغة دينية . فقد كان يعتقد بأنّ للعقل الكلمة العليا فيما لا يتعارض والمتون الدينية والنصوص الشرعية . وفي حالة التعارض أيضا نراه يدعو إلى ترك ظاهر النصوص جانبا ثمّ تأويلها في ظلّ معايير التفسير لا الاجتهادات الفردية لتظهر معانيها ومضامينها الباطنية التي ستتّفق ولا شكّ مع موازين العقل فتصبح معيارا للعمل . فقد كان يعتقد بأنّه لمّا كان العقل قد عدّ في الشرع بمثابة الرسول الباطني إلى جانب الرسول الظاهري . إذن لم يصدر من الشارع المقدّس - المعصوم عن الخطأ والزلل - حكما مخالفا للعقل . وعليه

--> ( 1 ) . التحليل : تجزئة الشيء أجزاء شتّى وفق حيثيات مختلفة . ( 2 ) . التقسيم : ضمّ مختصّ إلى مشترك أو بعبارة أخرى بسط مفهوم كلّي عن طريق ضم خصوصيات إليه وفق استدلالات منطقية .